الياس شوفاني
143
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
وجعلها ديانة رسمية . وبغض النظر عن الجانب الإيماني في موقف قسطنطين من المسيحية ، فإنه بالتأكيد رأى فيها عامل توحيد لشعوب الإمبراطورية . لقد أراد تصليب وحدة الإمبراطورية عبر وحدة الكنيسة . وأولى قسطنطين فلسطين عناية خاصة ، أكان ذلك لأسباب سياسية - اقتصادية متعلقة بموقعها ، أو لأسباب ذاتية دينية ، كونه اعتنق المسيحية ، أو بتأثير أمه ، هيلينا التي أمضت وقتا طويلا فيها . وفي أيامه ، وجزئيا بإشراف والدته ، بنيت عدة كنائس كبيرة في فلسطين ، في مواقع لها علاقة بحياة المسيح . ومنها « كنيسة القيامة » و « كنيسة الصعود » في أورشليم ، وكذلك « كنيسة المهد » في بيت لحم و « كنيسة البشارة » في الناصرة وغيرها . وبفضل الحركة العمرانية الكبيرة ، وهجرة عدد من أغنياء المسيحيين إليها ، وكذلك انتعاش حركة الحجاج إليها ، شهدت البلاد ازدهارا اقتصاديا . فتوسع الاستيطان فيها ، كما أعيد بناء عدد من المدن ، وانتشرت القرى الزراعية ، حتى في المناطق الواقعة على أطراف الصحراء . لقد طغت المسيحية على اليهودية في فلسطين ، ووسمتها بسمتها الجديدة الخاصة . وباعتناقه المسيحية ، وإعلانها ديانة رسمية . معترفا بها ، أحدث قسطنطين نقلة نوعية في شؤون الإمبراطورية . لكن التجسيد العملي لهذه السياسة تمّ في أيام خلفائه . فابنه ووارثه ، كونستانتين الثاني ( 337 - 361 م ) ، طالب رعاياه باعتناق ديانة الإمبراطور ، وأصدر عددا من المراسيم بهذا الخصوص . وجاء ثيودوسيوس الأول ( 379 - 395 م ) ، ومن بعده ابنه أركاديوس ( 395 - 408 م ) ، ليضعا هذا التوجه موضع التطبيق العملي . ففي 27 / 2 / 380 م صدر « مرسوم ثيسالونيكا » الذي كرّس الكنيسة الكاثوليكية ديانة للإمبراطورية . وهذا المرسوم وطّد موقع المسيحية في الإمبراطورية ، من جهة ، وفتح باب الخلافات العقائدية داخل الكنيسة ، من جهة أخرى . ومراسيم ثيودوسيوس ، الذي يرتبط اسمه بانتصار المسيحية ، لم تترك مجالا للاعتدال مع الديانات السابقة - الوثنية واليهودية - وحتى مع التيارات المسيحية الأخرى . لقد كان ثيودوسيوس جادا في توحيد الإمبراطورية ، على أساس وحدة الدين والكنيسة . ولتنفيذ هذه السياسة ، استكملت الكنيسة تنظيمها الإداري ، إذ أصبحت مؤسساتها وفروعها موازية في تقسيماتها الإدارية لتقسيمات الدولة ، بينما في قمة الهرم ، الديني والمدني ، الإمبراطور نفسه . إن الترتيبات اللاحقة لإعلان المسيحية ديانة الإمبراطورية ، أدّت إلى وضع صار فيه رأس الدولة هو رئيس الكنيسة أيضا . وكان طبيعيا أنه في مقابل سعي الإمبراطور لتوحيد الناس خلفه ، سياسيا ودينيا ، صار عليه أن يدفع الثمن السياسي عندما يضطره